سيد محمد طنطاوي

318

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 105 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) وقوله * ( عَلَيْكُمْ ) * اسم فعل أمر بمعنى : الزموا وقوله : * ( أَنْفُسَكُمْ ) * منصوب على الإغراء بقوله : * ( عَلَيْكُمْ ) * . قال الجمل : واختلف النحويون في الضمير المتصل بها - أي بكلمة * ( عَلَيْكُمْ ) * - والصحيح أنه في موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء « » . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا باللَّه إيمانا حقا ، الزموا العمل بطاعة اللَّه ، بأن تؤدوا ما أمركم به ، وتنتهوا عما نهاكم عنه ، وأنتم بعد ذلك « لا يضركم من ضل إذا اهتديتم » أي : لا يضركم ضلال من ضل وغوى ، ما دمتم أنتم قد أديتم حق أنفسكم عليكم بصيانتها عما يغضب اللَّه وأديتم حق غيركم عليكم بإرشاده ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر . فإن أبى هذا الغير الاستجابة لكم بعد النصح والإرشاد والأخذ على يده من الوقوع في الظلم فلا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله ، فإن مصيركم ومرجعكم جميعا إلى اللَّه - تعالى - وحده * ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) * يوم القيامة * ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * في الدنيا من خير أو شر ، ويجازى أهل الخير بما يستحقون من ثواب ، ويجازى أهل الشر بما يستحقون من عقاب . هذا ، وقد يقول قائل : إن ظاهر هذه الآية قد يفهم منه بعض الناس ، أنه لا يضر المؤمنين أن يتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما داموا قد أصلحوا أنفسهم لأنها تقول : * ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) * فهل هذا الفهم مقبول ؟ والجواب على ذلك ، أن هذا الفهم ليس مقبولا ، لأن الآية الكريمة مسوقة لتسلية المؤمنين ، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم إذا لم يجدوا أذنا صاغية لدعوتهم . فكأنها تقول لهم : إنكم - أيها المؤمنون - إذا قمتم بما يجب عليكم ، لا يضركم تقصير غيركم . ولا شك أن مما يجب عليهم القيام به : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، إذ لا يكون المرء مهتديا إلى الحق مع تركه لفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنما يكون مهتديا متى أصلح نفسه ودعا غيره إلى الخير والصلاح .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 523